جلال الدين السيوطي
451
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
هيهات ، ههنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم ، وتدقّ عن عقولهم وأذهانهم . دع هذا ، ههنا مسألة قد أوقعت خلافا ، فارفع ذلك الخلاف بمنطقك . قال قائل : لفلان من الحائط إلى الحائط . ما الحكم فيه ؟ وما قدر المشهود به لفلان ؟ فقد قال ناس له : الحائطان معا وما بينهما ، وقال آخرون : له ما بينهما ، وقال آخرون : له النصف من كلّ واحد منهما ، وقال آخرون : أحدهما . هات آيتك الباهرة ومعجزتك القاهرة ، وأنّى لك بهما وهذا قد بان بغير نظرك ونظر أصحابك ؟ ودع هذا أيضا ، قال قائل : من الكلام ما هو مستقيم حسن ، ومنه ما هو مستقيم كذب ، ومنه ما هو مستقيم محال ، ومنه ما هو مستقيم قبيح ، ومنه ما هو محال كذب ، ومنه ما هو خطأ . وفسّر هذه الجملة ، واعترض عليه عالم آخر ، فاحكم أنت بين هذا القائل والمعترض ، وأرنا قوة صناعتك التي تميّز بين الخطأ والصواب ، وبين الحقّ والباطل . فإن قلت : كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد سمعت مقالته ، والآخر لم أحصّل اعتراضه ؟ قيل لك : استخرج بنظرك الاعتراض إن كان ما قاله محتملا ، ثم أوضح الحقّ فيهما ؛ لأنّ الأصل مسموع لك حاصل عندك ، وما يصحّ به أو يطّرد عليه يجب أن يظهر منك ، فلا يتعاسر علينا ، فإنّ هذا لا يخفى على من حضرته الجماعة . فقد بان الآن أنّ مركّب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل ، والمعاني معقولة ، ولها اتصال شديد وبساطة تامّة ، وليس في قوّة اللفظ من أيّ لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ، ويحيط به ، وينصب عليه سورا ، ولا يدع شيئا من داخله يخرج ، ولا شيئا من خارجه أن يدخل خوفا من الاختلاط الجالب للفساد ، أعني أنّ ذلك يخلط الحقّ بالباطل ، ويشبه الباطل بالحقّ ، وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأوّل قبل وضع المنطق ، وقد عاد ذلك الصحيح في الثاني بعد المنطق . وأنت لو عرفت تصرّف الفقهاء والعلماء في مسائلهم ، ووقفت على غورهم في نظرهم ، وغوصهم في استنباطهم ، وحسن تأويلهم لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم